السعيد شنوقة

289

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يمكن امتداد الصوت معها وليس الأمر كذلك مع النون ؛ لذا طابق كل لفظ معناه ؛ فجيء بلن حيث لم يرد به النفي المؤبد ، وإنما أراد به النفي في الدنيا ؛ فقال ( لن تراني ) وأتى ب ( لا ) في قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وأراد نفي الإدراك على الإطلاق والإدراك مغاير للرؤية « 1 » . ويبين الزمخشري عند الآية : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [ النحل : 107 ] أن ( ذلك ) « إشارة إلى الوعيد وأن الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم » « 2 » . وهو حين يفسر قوله عز وجل : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [ فاطر : 3 ] يتساءل عن محل الجملة ( يرزقكم ) من الإعراب ثم يجيب بثلاثة أوجه ، تجد في الوجهين الأولين انسجاما مع مذهب المعتزلة في خلق العبد لأفعاله رغم أن المعتزلة لم يقصدوا في مفهومهم لخلق العباد أفعالهم معنى الإيجاد ، وإنما هي أفعال محكمة بالعلم في إطار ما يقدرون على علمه ، ومخصصة بالإرادة ، ومقدرة بالقدرة في مجال حدّ لا يرقى إلى التساوي مع علم الله تعالى ، ولا مع إرادته وقدرته . أما الوجهان المذكوران ، فالأول : يرزقكم صفة لخالق . والثاني : لا محل له من الإعراب إن أريد به التفسير . وخالق مرفوع محلا بفعل يدل عليه هذا بتقدير : هل يرزقكم خالق غير الله « 3 » ، وهذا التقدير يثبت خالقا غير الله لما في الصفة من تقييد لكنه خالق لا يرزق وهذا هو الذي رأيناه يتناغم مع الاعتزال . على أن الوجه الثالث في إعرابه جعله ( يرزقكم ) ابتدائية مستأنفة . وقد استحسنه أهل السنة طبعا لأنه ينفي أن يكون خالق غير الله سبحانه « 4 » ، وبأنه سبحانه الرازق حقيقة . أما ابن آدم فرازق تجوّزا لأنه يملك ملكا منتزعا « 5 » .

--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 507 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 430 . ( 3 ) م ن ، ج 3 ، ص 299 . ( 4 ) انظر ابن خالويه ( ت 370 ه ) ، الحجة في القراءات السبع ، ص ، 296 وكذا ابن زنجلة ، حجة القراءات ، ص ، 592 وتفسير النسفي ( ت 710 ه ) ، ج 2 ، ص ، 127 وأبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 9 ، ص 13 - 14 . ( 5 ) انظر تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 178 .